فتنة الأحداث 6/5/1430هـ - 1/5/2009م
 
   
 
 
   
فتنة الأحداث 6/5/1430هـ - 1/5/2009م PDF طباعة أرسل لصديقك
كتـب المقال مدير الموقع   
السبت, 02 مايو 2009 18:43

الحمد للهِ مَلأ قلوبَ المؤمنين إيمانًا، أحمده سبحانَه وأشكُرُه على ما أنعمَ وأعطى فضلاً منه وإحسانًا، وأشهَد أن لا إلهَ إلا الله وحدَه لا شريك له شهادةً تبلِّغ الزلفى لدَيه جنَّة ورِضوانًا، وأشهد أن سيِّدنا ونبيَّنا محمّدًا عبد الله ورسوله أنزل عليه الكتاب معجزةً وحجّة وبرهانًا، صلّى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله وأصحابه رحماءُ بينَهم كانوا على الحقِّ أنصارًا وأعوانًا، ونزع ما في صدورِهم من غلٍّ فكانوا إخوانًا، والتّابعين ومَن تبِعَهم بإحسانٍ فاستقامَ دينًا وأعلى شانًا، وسلّم تسليمًا كثيرًا. أما بعد: فأوصيكم أيها الناس ونفسي بتقوى الله، فاتقوا الله رحمكم الله، واحذروا الغفلةَ، فالعاقلُ من يرَى العِبَرَ بعينيه، ويسمع المواعظَ بأذنيه، والنذير قد وصلَ إليه، ينذره يومُه وأمسُه، ويحدِّثه بالعبر قمَرُه وشمسُه، الأيّام مطايا تحثُّ على أخذِ العدَّة قبل حلول المنايا، فالزموا الجِدَّ والاجتهاد، وتزوَّدوا والتقوَى خيرُ زادٍ[إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ]أيّها المسلِمون، إنَّ ما تشهَدُه ساحَةُ المسلمين اليومَ يُسرّ العدوَّ ويحزِن الصديق، ويجعل الحليم حيران, أيها الأحبة إنها فتن لا عاصم منها بعد الله عز وجل إلا النظر في سنن الله عز وجل الكونية، ومعرفة أصول الدين الكلية الثابتة التي لا تتغير ولا تتبدل.وقد أردت لنفسي ولإخواني في هذا اليوم المبارك أن نتدارس أصولاً وثوابت ينبغي ألا تغيب عن ذهن المؤمن ولا عن قلبه؛ في محنتنا المعاصرة بالذات، علَّه يتسلى بها، وتكون عونًا له على الثبات في الفتن والمحن، عصمنا الله وإياكم من شرها وفتنتها.أما الأصل الأول معاشر المسلمين والذي ينبغي ألا يغيب عنك أيها المؤمن: أن كل ما أصاب هذه الأمة من ضعف أو ذل أو هزيمة أو فقر، فبذنوبها ومن عند أنفسها، مع أن الله لطيف بها فلا يسلط عليها من يستأصلها، ولا يكون بلاؤها كلَّه عذاباً، بل منها الشهيد المصطفى، ومنها المقتول المكَفَّر عنه بالقتل، ومنها المصاب المخفَّف عنه العقوبة في الآخرة، أما إذا اعتصمت بحبل الله وأنابت إليه وتركت الذنوب فلها النصر والعزة والتمكين في كل ميدان، وما أعداؤها المشركون، وحكامها الجائرون، ومنافقوها الماكرون إلا بعض ذنوبها، ثم الله يسلط عليهم جميعاً بذنوبهم من يسومهم سوء العذاب من داخل الأمة أو من خارجها، ومن هنا كان أولى خطوات التغيير: التوبة والضراعة، وقد خرج أهل العراق على الحجاج ليقاتلوه، فقال الحسن البصري رحمه الله: يا أهل العراق إن الحجاج عذاب الله سلطه عليكم بذنوبكم فلا تدفعوا عذاب الله بأيديكم، ولكن توبوا إليه يرفع عذابه عنكم، فإنه يقول: وَلَقَدْ أَخَذْنَـٰهُمْ بِٱلْعَذَابِ فَمَا ٱسْتَكَانُواْ لِرَبّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ] فإذا تابت الأمة, ومن توبتها أن تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر وتوالي في الله وتعادي في الله رفع الله جور الحكام عنها. وإذا تاب الحكام وأقاموا كتاب الله رفع الله عنهم إذلال قوى الكفر لهم وقوامة الشعوب عليهم، وتسليط بعضهم على بعض0أيها السادة الأكارم، وإن من الأصول والثوابت أن يقال:إن من أدب الإسلام في الفتن كفُّ اللسان وحبسه وعدم إطلاقه للخوض في المسائل الكبار التي فيها نصوص قاطعة لا تقبل تحريف الجاهلين ولا انتحال المبطلين، لا يتكلم فيها إلا العلماء العاملون والدعاة والمخلصون، ولذا فإنا نتوجه بالمناشدة إلى الكتاب والمذيعين والخطباء والمتحدثين في هذه البلاد وكل البلاد أن يتقوا الله فيما يقولون،فربما أعانوا على قتل مسلم بكلمة أو بشطر كلمة، فأوبقت دنياهم وآخرتهم وأحبطت أعمالهم عند الله، فإن (الرجل يقول الكلمة من سخط الله لا يلقي لها بالاً تهوي به في النار سبعين خريفاً)كما أخبر الصادق المصدوق.عبادَ الله، يا أمّةَ محمّد، يجب التفكير الجادُّ الصادق الأمين دينيًّا وفكريًّا وسياسيًّا وأمنيًّا ،فلا يستهينُ عالم ولا مفكّرٌ ولا سياسيّ ولا صاحب رأيٍ أو قلم، لا يستهين بهذه الألغام الخطِرَة المدمِّرة التي إن لم تحاصَر وتُكبَت فإنها والله ستجعَل الأمّةَ شَذَرَ مَذر، وسَوف تعيش في ظلامٍ دامِس ومستقبلٍ أشدّ ظلامًا في الدين والدنيَا إلاّ أن يرحمَنا الله.إنَّ العدوَّ الخارجيّ والغازيَ الأجنبيَّ لم يوجِدِ الخلافَ في الأمّة، ولكنَّه وجَد فيهِ أرضًا خصبةً ليزرعَ مكرَه وكيده؛ فيمزِّق الأمّةَ ويفتِّت القوّة ويستبدَّ بالسيطرة.إنَّ نجاح العدو في استثمارِ الخلاف ليس لشدَّة ذكائه وعظَمِ دهائه فحسب، ولكن لتقصير الأمّة، وقد يكون لعِظَم غفلَتِها وسذاجتها، وأخشى أن أقولَ: لضعفِ دينها وقِلَّة أمانتها فحذارِ رحمكم الله ثم حَذارِ أن تُزَجَّ الأمَّةُ في الزّلزال الطائفيّ والبركان المناطقي،أيها الأخوة الكرام: ومما ينبه إليه في الفتن أنه ينبغي للمرء المسلم في خضم الأحداث الكبيرة والقاسية على المسلمين ألا يصاب بشيء من الاسترسال مع مشاعر القنوط واليأس، فإن الثقة بنصر الله عز وجل لا تكون في وقت الرخاء فقط، فهذا أمر يستطيعه كل أحد، إنه من السهولة بمكان والإنسان ينعم بأمن وآمان، ويسر وسهولة ورخاء أن يقول: وَمَا ٱلنَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ] وأن يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، ولكن الإيمان الحقيقي أن تدرك أيها العبد المؤمن وأن تؤمن وتستشعر أن النصر قادم لا محالة، وأنت في الشدة، بل وفي قمة الشدة.وأن تؤمن بقضاء الله وحكمته البالغة وما يدريك، فلربما كانت محنة في ثناياها منحة؟؟ فلقد كشف الله بها المنافقين ومرضى القلوب وعبدة الدرهم والدينار والوظيفة والجاه عند الخلق، وهذا خير عظيم، كما حدث يوم «أحد» ويوم «الأحزاب»قال تعالى: مَّا كَانَ ٱللَّهُ لِيَذَرَ ٱلْمُؤْمِنِينَ عَلَىٰ مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىٰ يَمِيزَ ٱلْخَبِيثَ مِنَ ٱلطَّيّبِ] فعلى أفراد الأمة أن يتفائلوا ويتلمسوا معالم الإصلاح ومنهجيته ومقوِّماته وأسسه ووسائله وأن يحذروا أدعياء الإصلاح الذين تربَّوا في حجر الأعداء، فلم تجن الأمة من جهودهم إلا كل حنظل، ومن أفكارهم إلا الأشواك والهلاك. وعلى الأمة أن تأخذ الرأي والمشورة من علمائها الأمناء الذين ليس لهم بائقة، ولا يُخاف منهم غائلة، وهم ضمير الأمة وغيظ عدوِّها، وحُرّاس عقيدتها والفضيلة فيها، حتى يصدر التدبير عن دين مشروع، وتجتمع الكلمة على رأي متبوع، يقول الله عز وجل حكاية عن ملكة بلقيس: [قَالَتْ يٰأَيُّهَا ٱلْمَلأُ أَفْتُونِي في أمري مَا كُنتُ قَـٰطِعَةً أَمْراً حَتَّىٰ تَشْهَدُونِ]وفي صحيح البخاري: كانت الأئمة بعد النبي يستشيرون الأمناء من أهل العلم في الأمور المباحة، ليأخذوا بأسهلها، فإذا وضح الكتاب أو السنة لم يتعدَّوه إلى غيره اقتداءً بالنبي صلى الله عليه وسلم0أيها المسلمون، إن معرفة مكامن الداء وبواعث التجاوزات والأخطاء، مع العمل على سدها وصدّها من أعظم وسائل الإصلاح والبناء، وإن استعمال غير الأكفاء الأمناء الأقوياء وإسداء الأمور والثغور إلى من لا يُؤْمَنُ في توجُّهه وأفكاره وولائه وانتمائه هو جرثومة الفساد، وخراب العباد والبلاد، وقد قال رسول الهدى(إذا ضُيِّعت الأمانة فانتظر الساعة)قيل: كيف إضاعتها يا رسول الله؟ قال(إذا أسند الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة) أخرجه البخاري , وعلى كل من ولاه الله أمراً من أمور المسلمين خلافةً أو وزارة أو أمارة أو قضاءً أو رئاسة أو قيادةً أن يتخذ بطانة صالحة وجماعة ناصحة، تحثه على الخير والرشاد، وتنهاه عن البغي والفساد، يقول رسول الله الهدى(ما بعث الله من نبي ولا كان بعده من خليفة إلا له بطانتان: بطانة تأمره بالمعروف، وتنهاه عن المنكر، وبطانة لا تألوه خبالاً أي: لا تقصِّر في إفساد أمره فمن وُقي شرها فقد وقي)أخرجه البخاري والنسائي 0أيها المسلمون، إن الواجب على الأمة أن تقدِّم مقتضيات العقيدة وموجبات الشريعة ومصلحة الدين وحب الله ورسوله على كل أواصر القربى ومناصب الدنيا ولذائذها، في كل مواقفها وعلائقها، وفي جميع أمورها وشؤونها، وأن تكون على يقين لا يساوره شك أن ذلك سبيل صلاح دنياها وانكشاف بلواها. وإن لا تفعل ذلك فهي على خطر أن ينالها ذلك الوعيد الذي تنقدُّ منه الضلوع والتهديد الذي تموت منه القلوب وتسيل الدموع، الوارد في قوله جل في علاه: قُلْ إِن كَانَ ءابَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوٰنُكُمْ وَأَزْوٰجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوٰلٌ ٱقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَـٰرَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَـٰكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّىٰ يَأْتِىَ ٱللَّهُ بِأَمْرِهِ وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلْفَـٰسِقِينَ] وقوله : (من كانت الآخرة همَّه جعل الله غناه في قلبه، وجمع له شمله، وأتته الدنيا وهي راغمة، ومن كانت الدنيا همه جعل الله فقره بين عينيه، وفرَّق عليه شمله، ولم يأته من الدنيا إلا ما قدِّر له) أخرجه الترمذي فاتقوا الله عباد الله، وكونوا ممن آمن بربه حق الإيمان وأسلم، وفوَّض أمره إلى مولاه وسلَّم، وانقاد لأوامره واستسلم، فقد أسال عليكم من وابل الآلاء وأسبل عليكم من جميل الغطاء وواسع العطاء ما يوجب الخجل منه والحياء.بارك الله لي الخطبة الثانية :-أما بعد: فيا أيها المسلمون، اتقوا الله وراقبوه، وأطيعوه ولا تعصوه، يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَكُونُواْ مَعَ ٱلصَّـٰدِقِينَ]أيها المسلمون، إن الأمة المسلمة لا يجوز أن تقيس مسيرتها السلوكية والتربوية والأخلاقية بمن هم دونها من حثالة البشر، ولا يجوز لها أن تبرِّر تقصيرها بذلك، ولكن عليها أن تعرض أوضاعها الحاضرة وحياتها المعاصرة على نصوص الوحيين الشريفين؛ لأنها الميزان الحق والمقياس الصدق على تقدّم الأمم وتأخرها، وزينها وشينها، قال بعض أهل العلم: من لم يزن أفعالهُ وأحواله في كل وقت بالكتاب والسنة فلا تعدّه في ديوان الرجال. أيها المسلمون، وواجب على الأمة أن ترعى في مسيرتها الإصلاحية المباركة قاعدة سدّ الذرائع والوسائل المفضية للمفاسد، سواءً كانت موضوعةً للإفضاء إلى مفسدة، أو موضوعةً للمباح قُصد بها التوصل إلى مفسدة، أو موضوعةً للمباح لم يُقصد بها التوصل إلى مفسدة، ولكنها مفضية إليها غالباً، ومفسدتها راجحة على مصلحتها.أيها المسلمون، ليَقُم كل واحد منكم بواجبه في إصلاح الأوضاع، بإصلاح نفسه؛ لأن مسيرة الإصلاح تبدأ بإصلاح الذات، ثم إصلاح الأهل والقرابات، ومن ثم إلى سائر الفئات والطبقات، وعلى العلماء والدعاة والمصلحين أن يقوموا بدورهم في نشر العلم، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بهمَّة لا تعرف الفتور، وعزيمة لا تعرف العجز، وقوة لا تعرف الضعف، وحكمة وحنكة لا تعرف التهور.وَقُلِ ٱعْمَلُواْ فَسَيَرَى ٱللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَٱلْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَىٰ عَـٰلِمِ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَـٰدَةِ فَيُنَبّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ]أيّها الإخوةُ، إنَّ الحساب السياسيَّ المسؤولَ والأمانةَ الدينيةَ الصادِقَة والحِسَّ الوطنيَّ المرهَف والتبصُّر العقلانيّ يقضي بالتحرِّي الكامل من خِداع النفس والذات، والذي يتصوّر بهِ هذا المخدوعُ أنَّ الغزاةَ سوف يقِفون عند قُطرٍ دون قُطر أو دَولة دونَ دولة، كم هِي المناطقُ المشتَعِلة اليومَ في ديارِ المسلمين؛ في أفغانستان والعراق ولبنان والسّودان والصومال، لن تنعَمَ المنطِقة ولن تَستقرَّ الأمّة ولن يتحقَّق الأمن والأمان إلاّ بالوحدةِ والاجتماع والتعايُش الكَريم والتوزيع العادل للثروات.عِبادَ الله، إنَّ ما يجري في الساحةِ مِن أحداثٍ نذيرٌ خطير لا تفيد فيه مسكِّنات، قد تؤخِّر المعاناةَ ولكنّها لا تمنَع وقوعها؛ إنَّ مما ينبَعِث في المنطقَةِ من روائحِ الطائفيّة المنتِنَة الهوجاء يجب أن ينبذَه أهلُ العلم والإيمان والفضلِ والعقل والرأيِ والصلاح، يجب الحفاظُ على كيانِ الأمّة في أهلِها وأمنِها ومحاصرَةُ كلِّ بوادِر الفتنةِ وسدّ أبوابها، على كلِّ صادقٍ في دينه وناصحٍ لأمته وساعٍ بجدٍّ وإخلاص وإيمانٍ لمصلحتها أن يعلنَ براءَتَه إلى الله عز وجل من كلِّ دعوةٍ تخاصم شريعةَ الله وتجاهِرُ في عدائِها لتَارِيخِها وصحابَتِها وأئمَّتِها ورِجالها وصالحِ سلفها. يجِبُ أن يُعلَن أنَّ مثلَ هذه الدّعوات والمسالك إمّا نهجٌ استعماريّ أو مَسَارٌ نِفاقيّ أو طَريق زَندَقة أو مسلَك جَاهِل، إنها عند التحقيقِ لا يمكن أن تجتَمِع مع أصلِ الإسلام والدين والتوحيد والنهجِ الذي جاء بهِ محمّدٌ نسأل الله أن يحفظنا ويحفظ بلادنا وأن يجنبنا الفتن ما ظهر منها ومابطن.وصلوا وسلموا

 


عدد الزوار

عدد زوار مشاهدة الموقع : 87553