|
خطبة (وجاء حر الصيف)22/5/2009م |
|
|
|
|
كتـب المقال مدير الموقع
|
|
السبت, 30 مايو 2009 19:20 |
أيُّها المؤمنون: نعيشُ هذه الأيام موعظةً بليغةً ودروسًا عظيمة، يشهدُها الأعمى والبصير، ويُدركها الأصمُ والسميع، إلاّ أنها لا تُؤتي أُكلُها إلاّ حينَ تصادفُ َمن كان له قلبٌ أو ألقى السمعَ وهو شهيد.نعيشُ هذه الأيام مع واعظِ الصيف، فهل أصغتْ قلوبُنا لموعظتِه؟! وهل وعينا درسَه؟! هلمّ فلنقفْ قليلاً مع الصيفِ وما يحملُ من عبر.مَن مِنا الذي لم يؤذهِ حرُ الصيف؟! كلُّنا وجدَ من ذلك نصيبًا قلَّ منه أو كثُر، فأيُّ شيءٍ تعلمناه من الحر؟أيها المسلمون، من أين يأتي هذا الحر؟ لعل كثيراً من المسلمين تخفى عليهم هذه الحقيقةُ التي أخبرنا عنها الصادقُ المصدوقُ محمدُ بن عبد الله صلى الله عليه وسلم، وهي أن هذا الحرَ الذي نجده في الصيف إنما هو من فيح جهنم، أعاذنا الله وإياكم منها، وهذا يدل على أن جهنم مخلوقةٌ الآن، وهي تنتظر سكانها، نسأل الله العافية. روى البخاري في صحيحه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال(اشتكت النار إلى ربها فقالت يا رب أَكَلَ بعضي بعضاً، فأذن لها بنفسين نفس في الشتاء، ونفس في الصيف، فهو أشد ما تجدون من الحر، وأشد ما تجدون من الزمهرير)وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال(إذا اشتد الحر فأبردوا بالصلاة، فإن شدة الحر من فيح جهنم)وإذا كان هذا الحر الشديد الذي يعيقك أخي المسلم عن أشياءَ كثيرة إنما هو نَفَسٌ أُذن لجهنم أن تتنفس، فكيف بجهنم نفسَها وقد ذكر الله عنها ما ذكر كقوله تعالى: إِذَا أُلْقُواْ فِيهَا سَمِعُواْ لَهَا شَهِيقًا وَهِىَ تَفُورُ إِذَا رَأَتْهُمْ مّن مَّكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُواْ لَهَا تَغَيُّظاً وَزَفِيراً,وعلى الذين يهربون من هذا الحر الدنيوي أن يفكروا بعقولهم، فمن الغباء أن يهرب الإنسان من الأخف إلى الأشد، وصدق الله جل جلاله إذ يقول: وَقَالُواْ لاَ تَنفِرُواْ في ٱلْحَرّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرّا لَّوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ 0إذاً، اشتداد الحر في هذه الحياة إنما هو من نَفَس النار، من شدة حرها، يخوف الله تعالى به عباده، ويذكر به من يتذكر ليتعظوا وينـزجروا عما هم فيه من غفلة وإعراض عن الله تعالى. ولذلك عباد الله ترونه يختلف من سَنَةٍ إلى أخرى، ومن عام إلى آخر، وكل ذلك بقدرِ بُعْد العباد عن الله أو قربهم منه سبحانه، وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ ٱلْقُرَىٰ ءامَنُواْ وَٱتَّقَوْاْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَـٰتٍ مّنَ ٱلسَّمَاء وَٱلأرْضِ وَلَـٰكِن كَذَّبُواْ فَأَخَذْنَـٰهُمْ بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ 0 فَقُلْتُ ٱسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً يُرْسِلِ ٱلسَّمَاء عَلَيْكُمْ مُّدْرَاراً وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوٰلٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّـٰتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَاراً 0أيها المسلمون، ما عُبد اللهُ عز وجل بمثل الخوف منه، من عقابهِ ونارهِ وغضبه. قال أبو سليمان رحمه الله: "أصل كل خير في الدنيا والآخرة الخوفُ من الله عز وجل، وكل قلب ليس فيه خوف لله فهو قلب خرب".ولقد حذر الله عباده من النار، وكرر الوعيد بها، وضرب لها من الأمثال في كتابه العزيز وعلى لسان رسوله الأمين صلوات الله وسلامه عليه ما تشيب منه الولدان، وتتقطع منه القلوب والأفئدة، ولكن أين المعتبرون؟ وأين الخائفون من الله حق خوفه؟هل انتبهت من نومها القلوب الغافلة؟ وهل ثابت إلى رشدها النفوس السادرة؟ أين الخوف من النار الذي أخاف الملائكةَ المقربين كما في قول الحق سبحانه وتعالى: وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ إِنّى إِلَـٰهٌ مّن دُونِهِ فَذٰلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِى ٱلظَّـٰلِمِينَ 0 وأين الخوف من النار الذي لحق الأنبياءَ والمرسلين في قوله تعالى: ذٰلِكَ مِمَّا أَوْحَىٰ إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ ٱلْحِكْمَةِ وَلاَ تَجْعَلْ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهًا ءاخَرَ فَتُلْقَىٰ فِى جَهَنَّمَ مَلُومًا مَّدْحُورًا 0 وأين الخوف من النار الذي أقضّ مضاجع الصالحين كَانُواْ قَلِيلاً مّن الليل مَا يَهْجَعُونَ وَبِٱلأَسْحَـٰرِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ 0 تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمْ عَنِ ٱلْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْنَـٰهُمْ يُنفِقُونَ 0ما أُُنذر العبادُ رعاكم الله بشيء أشر من النار، النار موحشة، أهوالها عظيمة، وأخطارها جسيمة، وعذابها أبداً في مزيد، كلما خبت زادها الله سعيراً. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم(إن الصخرة العظيمة لتلقى من شفير جهنم فتهوي فيها سبعين عاماً ما تقضي إلى قرارها)قال عمر رضي الله عنه وهو راوي الحديث: (أكثروا ذكر النار، فإن حرها شديد، وقعرها بعيد، وإن مقامها حديد).عباد الله، إن الناس كلُّهم حريصون على راحة أنفسهم وأهليهم، يوفرون لهم الوسائلَ الواقية من الحر والبرد، وإذا ما اشتدت عليهم سمومُ الحر رأيناهم يتنقلون إلى المصائف والمنتجعات الباردة في أنحاء العالم، وكم هو عظيم الأسى عندما نرى أكثرهم لا يقيم وزناً لنار جهنم، ولا يعمل على وقاية نفسه ومن تحت يده منها، والله عز وجل قد خاطب عباده المؤمنين وحذرهم منها بقوله: يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ قُواْ أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا ٱلنَّاسُ وَٱلْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَـئِكَةٌ غِلاَظٌ شِدَادٌ لاَّ يَعْصُونَ ٱللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ 0وإن من علامات الشقاوة العملُ للدنيا والإعراض عن الآخرة. تفر من الهجير وتتقيه فهلاً من جهنم قد فررتا ولستَ تطيقُ أهونُها عذابًاولو كنتَ الحديـدَ بِها لَذَبْتا ولا تُنْكِرْ فإنَّ الأمرَ جـدٌّوليس كما حَسَبْتَ ولا ظَنَنْتا أيها الأحبة، إنّ شدة الحر التي يجدها من وقف حاسر الرأس حافي القدمين في حرِّ الظهيرة ما هي إلاّ نَفَسٌ من فيح جهنم، نعوذ بالله منها ومن حرها، كان من دعائه (اللهم إني أعوذ بك من فتنة القبر، ومن فتنة الدجال، ومن فتنة المحيا والممات، ومن حرِّ جهنم)رواه النسائي بإسناد صحيح.وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة أن رسول الله قال(ناركم هذه التي يوقد بنو آدم جزءٌ من سبعين جزءًا من نار جهنم)قالوا: والله إن كانت لكافية! قال(إنها فَُضُلَتْ عليها بتسعة وستين جزءًا كلهن مثل حرها)فحقٌ على العاقل أن يسأل نفسه وهو يتقي حرّ الدنيا: ماذا أعدّ لحرِّ الآخرة ونارِها؟يا من لا يصبر على وقفةٍ يسيرة في حرِّ الظهيرة، كيف بك إذا دنت الشمس من رؤوس الخلق، وطال وقوفُهم، وعظم كربُهم، واشتد زِحامُهم؟! روى الإمام مسلم عن المقداد بن الأسود قال: سمعت رسول الله يقول: (تُدنى الشمس يوم القيامة من الخلق حتى تكون منهم كمقدار ميل، فيكون الناس على قدر أعمالهم في العرق، فمنهم من يكون إلى كعبيه، ومنهم من يكون إلى ركبتيه، ومنهم من يكون إلى حقويه، ومنهم من يلجمه العرق إلجامًا)قال: وأشار رسول الله بيده إلى فيه.تلكم نارُ الآخرة، وذاك حرُّ الموقف، فأين المتقون؟! اللهم إن أجسادنا لا تقوى على النار، فأجرنا منها يا رحيم.رأى عمر بن عبد العزيز رحمه الله قومًا في جنازة قد هربوا من الشمس إلى الظل، وتوقوا الغبار، فأبكاه حال الإنسان يألف النعيم والبهجة، حتى إذا وُسِّد قبره فارقهما إلى التراب والوحشة، وأنشد: من كان حين تُصيبُ الشمسُ جبهته أو الغبارُ يخافُ الشَيـنَ والشَعثـا ويألف الظـــلَّ كي تبقى بشاشته فسوفَ يسكنُ يومـًا راغمًا جدثًا في ظــــل مقفرةٍ غبراءَ مظلمةٍ يُطيلُ تحت الثرى في غمها اللبثـا تجهـزي بجهــاز تبلغيـن بــه يا نفس قبل الردى لم تخلقي عبثـا أيها المؤمنون، لئن كنا نتقي الحرَّ بأجهزة التكييف والماء البارد ورحلات المسابح، وكل هذه نعمٌ تستوجب الشكر، فهل تأملنا وتفكرنا كيف نتقي حرَّ جهنم؟ كيف ندفع لفحها وسمومها عن أجسادنا الضعيفة ووجوهنا المنعمة؟يقول(من صام يومًا في سبيل الله باعد الله بذلك اليوم حرَّ جهنم عن وجهه سبعين خريفًا)رواه النسائي بإسناد صحيح.صيام الهواجر ومكابدة الجوع والعطش في يوم شديدٍ حرُّه بعيدٍ ما بين طرفيه، ذاك دأب الصالحين وسنة السابقين، والمحروم من حُرم. يقول أبو الدرداء : (صوموا يومًا شديدًا حره لحر يوم النشور، وصلوا ركعتين في ظلمة الليل لظلمة القبور).أيها المؤمنون، إن من أعظم ما يُدفع به العذاب وتُتقى به النار الاستكثار من الحسنات والتخفف من السيئات، فذاك هو الزاد،وتلك هي الجُنّة، واللهِ لَلَّه أرحم بنا من أمهاتنا، ولكنه يريد التائب المقبل المنيب.عن أبي الدرداء قال: لقد رأيتنا مع رسول الله في بعض أسفاره، في اليوم الحار الشديد الحر، وإن الرجل ليضع يده على رأسه من شدة الحر، وما في القوم أحد صائم إلا رسول الله وعبدُالله بن رواحة. رواه ابن ماجه بإسناد صحيح.وخرج ذات يوم ابن عمر في سفر معه بعض أصحابه، فوضعوا سفرة لهم، فمر بهم راعٍ، فدعوه إلى أن يأكل معهم، فقال: إني صائم، فقال ابن عمر: في مثل هذا اليوم الشديد حره وأنت بين هذه الشعاب في آثار هذه الغنم وأنت صائم؟! فقال: أُبادر أيامي هذه الخالية.فهلموا ـ عباد الله ـ نبادر أيامنا الخالية، حتى تتلذذ أسماعنا، وما ألذه من مقال، يوم يُقال: كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الأَيَّامِ الْخَالِيَةِ0 ولما مرض معاذ بن جبل مَرَضَ وفاته قال في الليلة التي تُوفي فيها: أعوذ بالله من ليلةٍ صباحها إلى النار، مرحبًا بالموت، حبيبًا جاء على فاقة، اللهم إني كنت أخافك وأنا اليوم أرجوك، اللهم إنك تعلم أني لم أكن أُحبُّ البقاء في الدنيا لجري الأنهار ولا لغرس الأشجار، ولكن لظمأ الهواجر ومكابدةِ الليل ومزاحمةِ العلماء بالركب عند حِلَقِ الذكر.هنيئًا لك ـ يا معاذ ـ أن يكون هذا أسفك على الدنيا، وهذا حزنك على فراقها.أيها المؤمنون، لنغتنم صيفنا بالطاعات، ولنستزد فيه من الحسنات، فالأجر يعظُم مع المشقة، حذار حذار أن تُقعدنا عن المبادرة إلى الخير، في غزوة تبوك ابتلي الناس بالخروج للجهاد، في زمن عُسرة وشدة من الحرِّ وجدب من البلاد، وحين طابت الثمار والناس يحبون المقام في ثمارهم وظلالهم، فخرج المؤمنون الصادقون، وقعد الذين في قلوبهم مرض، وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِين والله يقول وقوله الحق المبين فإذاقرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلافَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُوا أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَالُوا لا تَنفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلاً وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ بارك الله لي الخطبة الثانية:- أيها الإخوة المؤمنون، ومن أعاجيب التعابير القرآنية أنه شبّه الكفر بالحر والإيمان بالظل، فقال سبحانه: وَمَا يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ وَلا الظُّلُمَاتُ وَلا النُّورُ وَلا الظِّلُّ وَلا الْحَرُورُ وَمَا يَسْتَوِي الأَحْيَاءُ وَلا الأَمْوَاتُ 0 فحال المؤمن يُشبه حال الظل؛ لأن الإيمان ظل ظليل، تستروحه النفس، ويرتاح له القلب، وتطمئن فيه المشاعر، وتصدر فيه الأعمال عن تبصّر وتريث وإتقان. أما حال الكافر فتشبه الحر، تضطرب فيه النفوس، وتلفح القلبَ فيه لوافح الحيرة والقلق وعدم الاستقرار على هدف وعدم الاطمئنان إلى نشأة أو مصير، ثم تنتهي إلى حر جهنم ولفحة العذاب عياذا بالله، فنسأل الله تعالى أن ينجينا من الشرك والشك والنفاق والشقاق وسيئ الأخلاق، إنه جواد كريم. عباد الله، إن هذا الحر له غاية مهما طالت أيامه، فبعد الحر يأتي الجو البارد، وهكذا الدنيا لا يدوم لها حال، وهذا أعظم تنبيه للمسلم كي يدرك أن الشيء لا يدوم في هذه الدنيا، فالدنيا حر وبرد، غنى وفقر، قوة وضعف، عز وذل، صحة ومرض، حياة وموت، ضيق وفرج، وفي هذا تنبيه للظالم أن ينتظر دوران الدائرة عليه، وتسلية للمكروب المبتلى الذي ينتظر فرج الله، وكثير من المسلمين اليوم في بقاع شتى يعيشون ظلماً واضطهاداً ولا يعلم مداه إلا الله، فلهم بشرى فإن الحال لا تدوم. ضاقت فلما استحكمت حلقاتها فرجت وكنت أظنها لا تفرج ألاوصلواوسلموا00000000000000
|